حققت تونس تقدما ملموسا في مجال النمو المتكافئ ومحاربة الفقر وأحرزت نتائج جيدة من حيث المؤشرات الاجتماعية. فـقـد استطاعت الحفاظ على معدل نمو بنسبة 5 بالمائة خلال السنوات العشرين الماضية مع ارتفاع مطرد في الدخل الفردي يقابله ارتفاع في رفاهية ساكنتها التي انخفضت نسبة الفقر فيها إلى 7%، وهي من بين أدنى النسب في المنطقة. ويعتبر الارتفاع المطرد في الدخل الفردي المحفز الرئيسي الذي أدى إلى تقليص معدلات الفقر. وعلاوة على ذلك، لعبت الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية والرأسمال البشري أيضا دورا مهما في تقليص الفقر (حوالي 60 بالمائة من ميزانية تونس خصصت للقطاعات الاجتماعية). كما أن تعبيد الطرق القروية مكن على وجه الخصوص الشريحة الفقيرة في العالم القروي من الوصول إلى الأسواق والخدمات في المدار الحضري. وحسنت برامج الإسكان الظروف المعيشية للفقراء ووفرت هامشا من الحرية للمداخيل والادخارات لشراء المواد الغذائية والمنتجات غير الغذائية، وهو ما انعكس إيجابيا على التخفيف من حدة الفقر. كما أن الإعانات الغذائية المخصصة للفقراء، وإن لم تخصص على النحو الأمثل، ساعدت الطبقة الفقيرة في المدار الحضري.
تسير تونس في المسار الصحيح لبلوغ الأهداف الألفية للتنمية. فيما يتعلق بقطاع التعليم، بلغت نسبة الأطفال الذكور والإناث ممن تتراوح أعمارهم بين 6 و11 سنة المسجلين في المدارس 97.4% برسم السنة الدراسية 2007/2008. كما أن معدلات استكمال الدراسة الابتدائية مرتفعة بالنسبة للفتيات حيث بلغت 91%، وهي في ارتفاع بالنسبة للذكور حيث بلغت 87% خلال الموسم الدراسي 2007/2008. وإذا استمرت معدلات الرسوب المنخفضة في التعليم الأساسي على هذا المنوال، فإنه يتوقع أن يكمل كل الأطفال المتمدرسين، بغض النظر عن جنسهم، أطوار التعليم الأساسي بحلول سنة 2015. أما الإنجازات في قطاع الصحة فهي أفضل مما هو عليه الحال في بلدان أخرى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يبلغ معدل العمر المتوقع في تونس 74 سنة. كما شهدت معدلات وفيات الأطفال والأمهات تقدما ملموسا، وتراجعت نسبة سوء التغذية بشكل ملموس، كما أن نسبة انتشار داء نقص المناعة المكتسبة/الإيدز تظل منخفضة. يتم توفير التغطية الصحية من خلال برنامجيين وطنيين اجتماعيين يستفيد منهما أكثر من 85 بالمائة من السكان. وفضلا عن ذلك، فإن الاستفادة من الخدمات الاجتماعية-الاقتصادية (الماء والكهرباء والصرف الصحي) تكاد تكون معممة. تعتبر تونس إحدى أكثر المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تستفيد بشكل متكافئ من الخدمات الاجتماعية، كما أنها تعتبر رائدة في مجال قضايا النوع ودعم دور المرأة في المجتمع. كما تعتبر تونس إحدى أكثر البلدان تمدنا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تشكل الفئات التي تقطن في المدن أو الحواضر 64% من السكان.
إن رفع مستوى اندماج تونس في الاقتصاد العالمي دفع بالنمو الاقتصادي قدما. فمنذ السبعينيات، شرعت تونس في تطبيق استراتيجية للاندماج أسفرت تدريجيا عن رفع القيود التجارية وأدت إلى خلق نظام للإعفاء الضريبي سمحت بجذب الاستثمارات الأجنبية وخلق صناعات جديدة من أجل التصدير. ونتيجة لذلك، أصبح الاقتصاد التونسي مفتوحا، حيث أصبحت الصادرات تشكل 47 بالمائة من الناتج المحلي الخام، وهي مع الاستثمارات الأجنبية تعتمد بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي. في حين أن الصادرات لا تزال ذات قيمة مضافة منخفضة و قطاع الخدمات، باستثناء السياحة، لم يتطور بالقدر المطلوب، ولذلك فإن تونس تظل متأخرة في هذا القطاع بالمقارنة مع بلدان مماثلة تشهد تطورا في تصدير الخدمات.
رسخ التدبير الفعال والجيد للاقتصاد
الكلي ولاسيما منذ سنة 1996 أداء النمو القوي وساعد على التخفيف من
انعكاسات الصدمات الخارجية على النمو الاقتصادي. بفضل التطبيق
المتواصل لسياسة ضريبية ناجعة ظل العجز الضريبي في مستوى أدنى من 3%،
كما أن التدبير الحكيم للديون أدى إلى انخفاض نسبة الدين العمومي إلى
47.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2008 (وهو ما ساهم في تحقيق معدل
مستقر للقروض الاستثمارية الممنوحة لتونس). علاوة على ذلك، استطاعت
تونس التحكم بشكل جيد في التضخم ليظل في مستوى 3 بالمائة أو أقل
(باستثناء سنة 2008 نظرا للتضخم المستورد).
حقت تونس أداء قويا في سلالم الحكامة، لكن المشكلات المرتبطة بمناخ الأعمال مازالت تعتبر عوائق تقف دون بلوغ النمو. حققت تونس تقدما كبيرا في مجال الرفع من المداخيل قياسا يمعدلات سلالم الحكامة ومؤشرات التنمية السائدة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فحسب مؤشرات الحكامة في العالم التي ينشرها البنك الدولي، خطت تونس خطوات واسعة في مجال الفاعلية الحكومية وسيادة القانون والحد من الرشوة وجودة التنظيمات. كما أنها احتلت حسب التقييم المؤسساتي والسياسة القطرية (CPIA) الرتبة 73 في مؤشرات ممارسة أنشطة الأعمال (بعد أن كانت في المرتبة 81 سنة 2008) وتبوأت الرتبة 36 في مؤشر التنافسبة العالمية. لكن التقدم البطيء في دعم مناخ الأعمال في القطاع الوطني الذي يتميز بالتدخل القوي والواسع للدولة في الاقتصاد هو ما يميز إلى اليوم القطاع الخاص في تونس. وقد أدت هذه الوضعية إلى خلق تنافسية أقـل والوقوف كعائق كبير أمام خلق مناصب الشغل، ويمكن أن يكون سببا محتملا لبقاء الاستثمار الداخلي الخاص منخفضا بشكل يتعذر الرفع من مستواه (15.4% سنة 2008).